احتلال مدينتي مليلية وسبتة ومعضلة الهجرة الإفريقية



احتلال مدينتي مليلية وسبتة ومعضلة الهجرة الإفريقية
د. محمد أعناني

تعتبر مدينة مليلة المغربية المحتلة كمدينة سبتة مستعمرة إسبانية ذاتية الحكم واقعة ضمن القطاع الترابي لإقليم الناظور، يحدها من الشرق والشمال الشرقي البحر الأبيض المتوسط، ويحدها من الجهات الأخرى إقليم الناظور الذي يبعد على حوالي 14 كلم. فلقد كانت مدينة مليلة القديمة في الأصل قرية قلعة بنيت على تلة مرتفعة، لكنها كبرت وتوسعت عبر التاريخ خاصة في أواخر القرن التاسع عشر حتى صار عدد سكانها اليوم حوالي 84 ألف نسمة، ومساحتها حوالي 12,3 كم مربع (معدل الكثافة السكانية 6803 نسمة/كم²). ويتألف سكانها اليوم من المسيحيين والمسلمين المغاربة الذين يشكلون قرابة نصف سكان المدينة، مع وجود أقلية يهودية وهندوسية، ويلاحظ منذ عقد توافد مهاجرين أفارقة صار عددهم يتضاعف كل سنة حيث تمكن منذ بداية السنة الجارية، أكثر من 2000 مهاجر إفريقي من التسلسل إلى سبتة ومليلية، بينما لم يتجاوز عدد الذين تمكنوا من الدخول إلى المدينتين خلال العام الماضي 1074 مهاجرا، فضلا عن اللاجئين السوريين الفارين من جحيم الحرب في بلدهم سوريا، والذين قاموا هم الآخرون بعملية نزوح جماعي ليلة الخميس والجمعة 13-14 فبراير 2014 نحو مدينة مليلية المحتلة عن طريق البوابة الحدودية البرية للمغرب. ولقد نسبت مصادر صحافية إلى وزارة الداخلية الإسبانية أن أكثر من 40 ألف مهاجر سري من دول جنوب الصحراء يرابطون في المناطق المحيطة بالثغرين سبتة ومليلية المحتلتين في انتظار الفرصة المواتية للتسلل إليهما أو تنظيم عمليات اقتحام جماعية.

إن حدود مدينة مليلة المغربية المحتلة تشكل نصف دائرة واسعة حول الشاطئ والميناء والمدينة القديمة المطلة على بحر البوران قبالة سواحل غرناطة وألمرية. ويرجع الشكل النصف الدائري للحدود، لأسباب تاريخية تعود إلى ضربة المدفع التي مددت حدود المدينة المحتلة مليلة في القرن التاسع عشر من المدينة القديمة إلى ما هي عليه الآن. ولابد من الإشارة إلى أن مليلة أصبحت منذ عام 1995 تتمتع بصيغة للحكم الذاتي داخل إسبانيا بقرار من البرلمان الإسباني، مع العلم أن المملكة المغربية ترفض رفضا تاما الاعتراف بشرعية الحكم الإسباني على مدينتي سبتة ومليلة والجزر الجعفرية وباقيي الجزر القريبة من الشواطئ المغربية، باعتبارها جزءاً لا يتجزأ من التراب الوطني والإفريقي، ويتمتع سكان هذه الثغور من أصل مغربي بحقوق كاملة داخل المغرب كمواطنين مغاربة، ويطالب المغرب إسبانيا منذ عقود بالدخول في مفاوضات مباشرة معها لأجل استرجاع هذه الثغور المتبقية من استقلال التراب الوطني. كما تعتبر إحدى أواخر معاقل الاستعمار في إفريقيا برمتها، غير أن المنطقة لازالت لم تصنفها الأمم المتحدة ضمن المناطق المستعمرة في العالم والواجب تحريرها وبذلك لازالت مليلة وسبتة، وغيرهما من الجزر المغربية، وصمة عار في جبيننا، ونقصانا من وحدتنا الترابية في عصر تحررت فيه البلدان، واستكملت فيه غالبية دول العالم استقلالها السياسي.

ويعتبر السياج الحدودي لمدينة مليلة المغربية المحتلة المشيد من قبل إسبانيا كأهم وسيلة برية لوقف الهجرة غير الشرعية. فلقد بني السياج الحدودي من أسلاك حديدية متينة ومشبكة بفتحات صغيرة كلفت اسبانيا أكثر من 33 مليون أورو. وقد أطلقت إسبانيا أعمال تسييج المنطقة الفاصلة بين مدينة مليلة وإقليم الناظور عام 1998 بشريط مزدوج من الأسلاك الشائكة بارتفاع يصل إلى 6,5 أمتار وطول 8 كيلومترا. كما أن الحكومة المغربية تنازلت لإسبانيا عن بعض الأراضي لضمها إلى مليلة من أجل تعزيز الأمن ومحاربة الهجرة السرية. ويتألف هذا الفاصل الحدودي من سياجين متوازيين بطول 8 كيلومترا، وارتفاع حوالي 6,5 أمتار، مشبع بأسلاك شائكة وفتاكة أودت بحياة العشرات من المهاجرين الأفارقة مما دفع السلطات الاسبانية لإزالتها عام 2006 بعد أن لقي الكثير من المهاجرين الأفارقة حتفهم فوق السياج وإصابة آخرين بجروح بليغة خلال محاولتهم تسلقه والتسلل إلى مدينة مليلة. وقد سبق أن أعربت منظمة العفو الدولية عن قلقها الشديد إزاء إعادة وضع الأسلاك الشائكة على السياج، معتبرة أن سياسة الحكومة الاسبانية لردع الهجرة والحد من ضغط المهاجرين، يتجه نحو الابتعاد عن احترام حقوق الانسان. وقد سبق أن اعتبر المدعي العام للدولة الإسبانية أنطونيو توريس دولسي أن وضع الأسلاك الشائكة "غير قانوني" وطالب بفتح تحقيق في الموضوع. ويعتزم الحزب الاشتراكي العمالي الإسباني لطرح قضية الأسلاك الشائكة القاطعة أمام لجنة حقوق الإنسان في البرلمان الأوروبي بعد أن وصفها بــ"نظام وقائي لا إنساني" بسبب الشفرات القاطعة التي تحيط به، فيما طالبت المعارضة الإسبانية في مذكرة تقدمت بها سابقا لمجلس النواب بـ"السحب الفوري" لهذه الأسلاك الشائكة، التي أثارت غضب المنظمات الدولية. ولقد تم تجهيز الجدار الحدودي الإسباني بالأضواء ذات كثافة عالية، وكاميرات للمراقبة المستمرة، ومعدات حديثة للرؤية الليلية، لتسهيل وظيفة أجهزة الاستشعار الإلكترونية ومكبرات الصوت. ولا ننسى أيضا أن المغرب يعترض على بناء الجدار الحدودي، لأنه لا يعترف بالسيادة الأسبانية على مدينتي سبتة ومليلة المغربيتين المحتلتين، كما يطالب عبر الأمم المتحدة باسترجاعهما. وفي هذا السياق، أكد مندوب حكومة مليلة المغربية المحتلة عبد المالك البركاني على أن أغلبية المهاجرين الذين يدخلون إلى مدينة مليلة يعبرون الحدود الجزائرية المغربية، كما رحب البركاني بنية المغرب المتمثلة في وضع سياج شائك بيه وبين الجزائر، بهدف الحد من عمليات تسلل المهاجرين الأفارقة جنوب الصحراء إلى المملكة المغربية.

نجح حوالي 500 مهاجرا من ضمن 1000 مهاجرا إفريقيا فجر يوم الثلاثاء 18 مارس 2014 في اقتحام الأسوار المغربية والسياج الإسباني الذي يحيط بمدينة مليلية المغربية المحتلة والتسلل الى هذه المدينة. وتأتي هذه العملية لتبرز هشاشة حل الأسوار الذي راهنت عليه الحكومة المغربية رغم حساسيته السياسية بسبب مدلوله السيادي في منطقة يطالب المغرب باستعادتها خاصة أن الحواجز والأسوار يقوم المغرب ببنائها بطلب من اسبانيا وتمويل من الاتحاد الأوروبي. ولقد قامت أيضا يوم الأربعاء 28 ماي 2014 مجموعة من المهاجرين غير الشرعيين يقدر عددها بـ 1550 مهاجرا، موزعين إلى خمس مجموعات، حاولت اقتحام الحدود الفاصلة بين المغرب ومدينة مليلة المغربية المحتلة، وذلك بشكل جماعي لمحاولة إرباك حراس الحدود، والتصدي لكل من يقف في طريقهم عند الحدود باندفاع جماعي قوي ساعد على تجاوز الأفارقة لمئات من قوات الجيش والقوات المساعدة في الجانب المغربي ونجاح 500 إفريقي في عبور السياج إلى الجهة الإسبانية خلال واحدة من أكبر عمليات اقتحام المهاجرين النازحين من بلدان جنوب الصحراء منذ سنة 2005 وفق السلطات المحلية، وسقط من بينهم 28 جريحا تم نقلهم إلى مستشفى الحسني بالناظور لتلقي العلاجات الطبية الضرورية عقب تعرضهم لجروح ناجمة عن الأسلاك الشائكة للسياج الحديدي المحيط بمدينة مليلية المحتلة. ولقد سبق أن شهدت مليلة في نهاية شهر فبراير الماضي عبور أكثر من 200 مهاجرا بالقوة من فوق سياجها الحدودي البالغ ارتفاعه حوالي 6,5 أمتار، والذي تعلوه أسلاك شائكة فتاكة طالما نددت الجمعيات الحقوقية المحلية والدولية باستعمال السلطات الإسبانية لها، لكن محاولة العبور الأخيرة تعد الأكبر من نوعها نتيجة تلقي الحرس الإسباني أوامر بعدم استعمال الأعيرة المطاطية للتصدي لهجمات المهاجرين الأفارقة، كما تضاعفت محاولات هؤلاء المهاجرين لاقتحام السياج الحدودي في الفترة الأخيرة لأسباب أخرى منها زيادة عدد الدوريات البحرية التي حدت من محاولات الوصول إلى أوروبا عن طريق البحر، إذ كانت تزداد محاولات الهجرة السرية خلال أشهر الصيف الدافئة حيث كان يقوم المهاجرون بمحاولات للعبور عبر البحر بقوارب من المغرب إلى إسبانيا، لكن اليوم أصبحت تنطلق عمليات اقتحام المهاجرين عبر البر وفي وقت غالبا ما يكون مبكرا في الصباح ومشيا على الأقدام انطلاقا من جبـال كوروكو تجاه الفاصل الحدودي بين بني أنصار و مدينة مليلة المغربية المحتلة، وذلك بنية العبور بقوة صوب النفوذ الترابـي لإسبانيا. ولطالما قـامت السلطات الأمنية المغربية بالحيلولة دون تحقيق المهاجرين لهدفهم المنشود من خلال تدخل عشـرات من أفراد القوات المساعدة المغربية، بغرض تفريق هذه المسـيرة الجماعية من الوصول إلى الشـريط الحدودي حيـث يصعب التدخل المباشر عند اقتحام السياج الحدودي. ولقد بادرت السلطات المغربية في أبريل الماضي بتشييد حاجز سلكي شائك بدعامات من الإسمنت المسلح محيط بمدينة مليلية المغربية المحتلة، من أجل صد محاولات اقتحام المهاجرين المتحدرين من بلدان جنوب الصحراء اختراق الحاجز السلكي المحيط بالمدينة والمقام منذ سنين عديدة من طرف السلطات الإسبانية. وأكدت جمعية الريف لحقوق الإنسان أن "الحاجز المغربي الجديد يتميز باستخدام وسائل خطيرة للغاية على حياة الأفراد، من ضمنها الشفرات القاطعة، والتي يهدف من ورائها إلحاق الأذى الجسدي الجسيم بهؤلاء المهاجرين، خصوصا وأنه بحكم عيشهم في الغابات بالناظور فإنهم لا يتوفرون على وسائل لإعلامهم بطبيعة الخطر الذي ينتظرهم."

وتشكل حدود مدينتي مليلة وسبتة المغربيتين المحتلتين، منذ بداية التسعينيات الحدود الجغرافية للاتحاد الأوروبي مع المغرب ومع القارة الإفريقية وتعتبر بذلك مدينتي مليلة وسبتة المستعمرتين الأوروبيتين الأكثر قربا من القارة الإفريقية، مما يجعل من اسبانيا أكثر البلدان في أوروبا عرضة للهجرة غير القانونية، السبب الذي دفع اسبانيا إلى طلب مساعدة مالية من الاتحاد الاوروبي لتشديد مراقبة حدودها، والتقليص من الضغط الكبير للمهاجرين الذي تعانيه مدينتي مليلة وسبتة، خاصة أن مركز استقبال اللاجئين بمدينة مليلة المخصص لاستقبال نحو 480 شخصا، قد صار مكتظا بأكثر من ألفي شخص أعلبهم من المهاجرين النازحين من بلدان جنوب الصحراء، مما جعل اسبانيا تشتكي أكثر من أي وقت مضى من تكاليف اللاجئين، وضخامة المبالغ التي تصرفها على مراكز استقبال المهاجرين السريين الذي ينجحون كل يوم في اجتياز السياج الحدودي لمدينة مليلة المغربية المحتلة، كما عبرت إسبانيا عن استيائها الشديد من البرلمان الأوروبي، وقالت إنها لا تتلقى أي دعم من شركائها، وأنها في حاجة عاجلة وملحة إلى مبلغ 45 مليون يورو كدعم لتعزيز حماية حدود مدينتي مليلة وسبتة، اللتين تعدان هدفا مغريا للأفارقة والمهاجرين الراغبين في الولوج إلى أوروبا عبر الثغران المحتلان في المغرب. وبحسب السلطات الاسبانية، وبموجب الاتفاقيات الموقعة بين الدول التي يأتي منها المهاجرون، يتم اعادة بعضهم إلى بلدانهم الأصلية، بينما يسمح للبعض الآخر بالبقاء في إسبانيا في أحد مراكز الاستقبال الني تديرها الحكومة الإسبانية في الثغرين، ومنها مركز استقبال المهاجرين في مدينة مليلة الذي يحتضن حاليا ما يناهز 2000 مهاجر يستفيدون بالمبيت والمأكل والملبس، في حين لا تزيد قدرته الاستيعابية عن 480 شخصا. ولقد أعلن الاتحاد الأروبي يوم 4 يونيو 2014 عن تخصيصه دعما ماليا لإسبانيا يقدر بـ10 ملايين أورو لمواجهة ضغوط الهجرة التي تواجهها في مدينتي سبتة ومليلية المحتلتين. ومن المنتظر أن يتم توجيه الدعم لتمويل 26 مشروعا تم اقتراحه لمواجهة الهجرة غير الشرعية، علاوة على تأهيل مركز الاستقبال المؤقت للمهاجرين ومشاريع المساعدة على العودة الطوعية للمهاجرين السريين إلى بلدانهم الأصلية، وتشييد بنيات تحتية للمساعدة على إغلاق منافذ تسرب المهاجرين عبر السياج الحدودي. وسترسل سلطات مدريد، وفق هذا القرار، وحدة مكونة من 120 عنصرا من قوات مكافحة الشغب عالية التدريب لتعزيز صفوف قوات الشرطة والحرس المدني المنتشرة بالمدينة المحتلة، وذلك لمنع محاولات جديدة لاقتحام هذا الثغر الخاضع للسيطرة الإسبانية والذي يطالب المغرب باسترجاع السيادة عليه. ويضيف موقع أوروبا بريس الإسباني، أن هذا الدعم جاء بعد اجتماع بين وزير الداخلية الفرنسي جورج فيرنانديز دياز والمفوضة الأوربية للشؤون الداخلية سيسيليا مالستروم الذي تم خلاله التطرق إلى مسألة الهجرة غير الشرعية خاصة مسألة الهجرة عبر ثغري سبتة ومليلية. وحسب رئيس مدينة مليلة خوان خوسيه امبرودا أن قسما خارجيا من السياج وقع خلال الحادث، وأضاف أن شرطة الحرس المدني الاسباني انتشرت على الحدود بأعداد مكثفة، إلا أنه يصعب في بعض الأحيان وقف هجوم واقتحام الأعداد الهائلة من المهاجرين وسط الضباب في الصباح الباكر، كما نوه بدور السلطات المغربية التي تعاونت مع حرس الحدود الاسباني في محاولاته لوقف تدفق المهاجرين غير الشرعيين. ومع كل هذا فقد قررت الحكومة الإسبانية تخفيض المساعدات السنوية التي تقدمها للمغرب مقابل التعاون المشترك في مكافحة الهجرة السرية نتيجة الأزمة الاقتصادية وسياسة التقشف التي تعرفها اسبانيا، في الوقت الذي يطالب المغرب بالمزيد من الدعم المالي لمواجهة تدفق المهاجرين للعبور نحو الضفة الإسبانية. وشمل قرار السلطات الإسبانية بتخفيض المساعدات المالية الموجهة لدول إفريقية كالجزائر، والسنغال، وموريتانيا. وهي دول تتلقى مساعدات سنوية في إطار التعاون لمكافحة الهجرة السرية.

لقد تقدمت تنسيقية فعاليات المجتمع المدني بشمال المغرب يوم 4 ماي 2014 الماضي بطلب مفتوح لـرئيس الحكومة عبد الإله بنكيران، من أجل الترخيص لها بتأكيد مغربية سبتة ومليلية والجزر التابعة لهما والتصدي للممارسات العنصرية التي تمارسها السلطات الاستعمارية الإسبانية ضد المواطنين المغاربة، ومنها الإساءة إلى وثائق رسمية صادرة عن المملكة المغربية، وأكدت دراسة منجزة من طرف المغربي سعيد الصديقي، أستاذ مشارك في القانون الدولي والعلاقات الدولية، بجامعة العين للعلوم والتكنولوجيا بالإمارات، أنه بالإضافة إلى الأهداف المعلنة المتمثلة في إيقاف الهجرة، فإن إنشاء سياجات سبتة ومليلة له أهداف أخرى بعيدة المدى، مرتبطة بشكل أساسي بالوضع القانوني والسياسي للثغرين باعتبارهما منطقتين متنازعاً عليهما. وأضاف المصدر ذاته «أن بناء هذه السياجات هو أحد الإجراءات التي تهدف من خلالها إسبانيا إلى تعزيز الوضع الراهن للاحتلال، بوصفه عنصراً أساسياً من إستراتيجية إسبانية شاملة تتخذ أشكالاً وخطوات مختلفة، من أهمها بناء السياجات والأسوار الحدودية، وترسيم الحدود؛ بحكم الواقع مع المغرب من جانب واحد، ومنح الثغرين الحكم الذاتي، وسن قوانين هجرة تقييدية، وتنظيم زيارات للملك وأعضاء الحكومة الإسبانية إلى الثغرين».

والجدير بالذكر أن مدينة مليلة المغربية المحتلة لها تاريخٌ عريق لا يُنسى، وتعتبر واحدة من الحصون الدفاعية القديمة على في الريف الشرقي للمغرب على البحر الأبيض المتوسط، وقد عرفها الفينيقيون منذ القدم (القرن السابع قبل الميلاد) كمرفأ "روسادير" أي بلغة الفينيقيين : "الرأس المهيب" الذي كان يعتبر كأهم ميناء مخصص للتجارة مع الفنيقيين، واحتلها القرطاجيون في القرن الخامس قبل الميلاد، وعرفت رواجا في عهد مملكة نوميديا، ومملكة موريطانيا التي قامت بضم المدينة إلى أراضيها سنة 218 قبل الميلاد، وبنا فيها الرومان (40 – 538)م والبيزنطيون من بعدهم (538 – 668)م، ويرجع تاريخ أقدم آثارها إلى القرن الثالث قبل الميلاد، حيث تم العثور على آثار في الجهة الشمالية الغربية من المقبرة البونية الموريطانية المتواجدة بمدينة مليلة القديمة. فما فتئت هذه المدينة التاريخية المهمة حتى خضعت للحكم الإسلامي إبان الفتوحات الإسلامية، لتصبح بعد ذلك مدينة مليلة خاضعة للحكم الأموي حتى سنة 668م، وبعدها الخلافة العباسية حتى سنة 750م لينتقل الحكم بعد ذلك إلى إمارة نكور العريقة التي ضمت المدينة إلى أراضيها سنة 859م، ثم عاد الحكم إلى أموي الأندلس سنة 1019م بعد أن حررها أمير قرطبة الناصر لدين الله من احتلال القراصنة الفايكينج الذي استمر حوالي 60 سنة، واستقلت المدينة الإسلامية تحت اسم طائفة مليلة التابعة لملوك بني حمود المالقيين لمواجهة زحف المرابطين الذين دخلوها سنة 1079م، ثم تبعهم حكم الموحدين سنة 1141م والمرينيين سنة 1238م. فبميناء غساسة نزل أبو عبد الله آخر ملوك بني نصر، و نزل الآلاف من الأندلسيين مباشرة بعد مغادرتهم غرناطة إثر سقوطها سنة 1492 م، إذ أخذ النصارى الإسبان يسومون المسلمين سوء العذاب من اضطهاد، وتنكيل، وتشريد، وإكراه على التنصير حتى أصدر فرناندو وزوجته إيزابيلا الكاثوليكية عدة قرارات تهدف لتصفية الوجود الإسلامي في إسبانيا النصرانية خاصة في غرناطة، وأوكلا للكاردينال «خمينس» مهمة محاكم التفتيش المروعة لتنصير المسلمين قسرًا، فأصدر قرارًا بإحراق كافة الكتب العربية والإسلامية، ثم أصدر قرارا بمنح هبات وعطايا لمن يتنصر، ثم أصدر بعد ذلك قرارًا نهائيا بوجوب التنصر أو الرحيل من إسبانيا. وبعد سنوات من سقوط مدينة مليلة 17 سبتمبر 1497 حيث قام خوان ألونسو بيريث دي غوثمان إي دي ريبيرا بالاستيلاء على مليلة وضمها إلى المملكة الإسبانية، تحولت أنظار الإسبان إلى مدينة غساسة فتمكنوا من احتلالها سنة 1504م، وتم تحريرها بعد ذلك من طرف المقاومة المتمركزة في تازوضا حيث يرجح قتل الملك المطرود أبو عبد الله الصغير، آخر ملوك بني نصر عام 1527م. مع الإشارة إلى أن ابنته عائشة عمـًدها الأسبان وأصبح اسمها إيزابلا وأخذها فرديناند ضمن جواريه، وأصبحت أماً لأحد أبنائه ميگل فارس غرناطة (1495-1575)م، ثم تخلص منها وأصبحت راهبة باسم إيزابلا الغرناطية. وسرعان ما أعلن الكاردينال ثيسنيروس عام 1501م ضرورة تحويل المسلمين إلى مسيحيين بالقوة، وقام بحرق القران الكريم في ساحة الرملة وسط غرناطة بموافقة الملكة ايزابيل الكاثوليكية، ثم أصدر قرارا بمنع استعمال اللغة العربية، ومنع المسلمين من إجراء أي نشاط، خاصة تلك المتعلقة بدينهم وعاداتهم وتقاليدهم، وحتى ملابسهم. مما أدى إلى لجوء مئات الآلاف من الأندلسيين للعيش في حواضر المغرب وقتها، ودعم الارتباط التاريخي بين الحضارة المغربية والأندلسية منذ نهاية الحكم الإسلامي في الأندلس. فالدولة المغربية خصصت خلال عقود مكانة متميزة للعنصر الحضاري الإسلامي الأندلسي الذي ساهم كثيرا في إرساء التعددية الحضارية والثقافية في المغرب منذ عقود خلت.

إن إمارة غرناطة كانت دائما درعا واقيا للشواطيء الشمالية بالمغرب؛ فما لفتت أن سقطت إمارة غرناطة سنة 1492، تبعتها على التوالي مدينة مليلة سنة 1497، ثم مدينة غساسة سنة 1504، الشيء الذي دفع بسكان المنطقة بالنهوض إلى الجهاد، والمقاومة ضد خطر الغزو الإيبيري الحادق بهم. وسرعان ما تجند أبناء قلعية، ومعهم مجموعة من الأندلسيين والمورسكيين تحت قيادة شيخ بطوية، الشيء الذي ما فتئ حتى أزعج الحكام الوطاسيين بفاس الذين يعرفون الريف الشرقي جيدا، حيث يعتبر حصن تازوضا على قمم جبال كوروكو مركزا أساسيا لانطلاق الدولة الوطاسية في بدايتها. ولضبط الأمور بالمنطقة، عين الوطاسيون من جهتهم قائدين من أبرز قاداتهم، وأكفئهم في العمليات الحربية، وهم إبن الفيلالي الذي اتجه مباشرة فتحصن في قلعة تازوضا، وأتبعه بعلي العطار الأندلسي الذي استقر بثغر مدينة غساسة قبل سقوطها في يد الغزاة الإسبان، وهذا الأخير هو حفيد إبراهيم بن علي العطار أحد قادة جيوش غرناطة المشهورين آنذاك من قادة ملوك بني الأحمر، والذي استشهد في معركة البسانة ضد النصارى بعد هزيمة الأندلسيين، ووقوع ملك غرناطة سجينا في 21 أبريل عام 1483م، والذي طالما وصفه الإسبان بالشجاعة، والبسالة، والإقدام وبالقائد المسلم الأندلسي الأسطوري. وعلى كل، فقد شعرت بلاد القلاع بالريف الشرقي بناقوس الخطر المسيحي الحاذق، وتجندت كل أخماس قلعية للمقاومة وراء هذين القائدين سعيا لتأييد مواقف السلطة المركزية بالمغرب، والتي بدت تتوافق مع الأهداف الجهادية للسكان المحليين بمنطقة قلعية، فتم توزيع مسؤولية المقاومة لأول مرة في تاريخ المنطقة، وبشكل منتظم وتناوبي ومحكم بين كل أخماس قلعية. فاستمر هذا التنظيم الجهادي على هذا النحو ضد الغزاة الإسبان حتى بداية القرن العشرين، حيث لعبت قبيلة قلعية دورا جهاديا كبيرا في الريف الشرقي عبر التاريخ، وشكلت أغلب الجيوش حتى عهد قريب مع المجاهد الشريف محمد أمزيان في مقاومته، وأغلبهم أيضا مع المجاهد محمد بن عبد الكريم الخطابي في حروبه ضد الاسبان. وأما فيما يخص السلاح المستعمل من طرف المجاهدين ببلاد القلاع، فكان في البداية عبارة عن أسلحة تقليدية لأنهم لم يعرفوا السلاح الناري إلا في زمن قيادة علي أعراص في عهد السعديين، والمدافع زمن المولى اسماعيل العلوي(1727-1672) م، ثم البنادق الرشاشة في عهد حرب العصابات في عهد المجاهد عبد الكريم الخطابي.

ومن بين الأسر المعروفة بالحركة الجهادية ببلاد القلاع هي أسرة القيطونيون، وهي أسرة إدريسية خرجت من مدينة فاس، أو بالأحرى طردت منها من طرف الوطاسيين في أواخر القرن التاسع الهجري، فاستقر البعض منهم بغياثة ببني سيدال، ومنها انحدرت الأسرة الكعداوية المعروفة بأولاد عمر أعيسى. واشتهرت هذه العائلة بما أثارته من شدة حماسها في الحركة الجهادية ببلاد القلاع، وما قامت به من دور في إعادة تنظيمه خلال قرن كامل، إذ أنجبت الأسرة الشريفة مجموعة من قادة الجيوش الشجعان والأكفاء، وسبب هؤلاء المجاهدين قلقا ومعاناة للقوات الغازية خاصة الغارات الاسبانية. ومن هؤلاء القادة القيطونيين نعرف المجاهد محمد بن مسعود القيطوني من أولاد أعمر أعيسى ببني سيدال الجبل، والذي تم تعيينه من طرف المولى إسماعيل العلوي وأهدى له السلطان فرسه المعروف باسم الجاردي الذي تسلمه هدية من أهل سوس تعبيرا عن ولائهم للسلطان العلوي، واستمر القائد الجديد للمولى اسماعيل بن الشريف في مقاومته متبعا سياسة الإطاحة بكل أبراج مدينة مليلة المغربية المحتلة. وقد خسر الاسبان في عهده أبراج السور الثالث المحاط بمليلة، وبالتالي التصرف في البساتين، والعرصات المتاخمة لمدينة مليلة القديمة. وهذا ما دفع القائد القيطوني على تنظيم هجوم عام على مدينة مليلة، بل أغار بشراسة على مواشيها وساقها أمامه بعد معركة خسر فيها فرسه الجاردي.

ومن حسن الحظ أن جدي العالم، المجاهد الفاضل، أحمد بن محمد بن القاسم القاضي، القضاوي أصلا ونسبا، والذي عاش في أواخر القرن الحادي عشر الهجري، وعاصر محمدا بن مسعود القيطوني من أولاد أعمر أعيسى بكعدة بني سيدال الجبل أصلا ونسبا. والذي ترك لنا تقييدا موجزا في سبع ورقات سجل فيه أحداث هذه المرحلة مبرزا دور القيطونيين في هذه المرحلة الجهادية من المقاومة. ولقد كان محمدا بن مسعود القيطوني حسب تصريح المؤلف الحسن الفجيجي في كتابه: "المقاومة المغربية للوجود الإسباني بمليلة"، قائدا عظيما للمولى إسماعيل العلوي على ناحية قلعية، بتميزار المركز الإداري والجهادي لهذه الناحية آنذاك. فتميزار ببني سيدال الجبل تقع في هضبة مقابلة لهضبة أجدير على بعد يقل عن الكلم شرقا، وتبعد عن مركز قيادة بني سيدال الجبل على حوالي ثلاثة كلم شمالا على الأكثر. إن تميزار شهدت حركة إدارية متميزة أيام نفوذ المولاي إسماعيل العلوي (1727-1672) م على هذه الناحية، فكان يتدفق إليها الناس من جميع النواحي لكونها كانت تعد معقلا ورباطا للمجاهدين. ومع الأسف الشديد إن أهاليها لم يستقروا، ولم يداوموا على عمرانها أبا عن جد قديما وحديثا، بحيث حدثت هجرتهم مرات عديدة عبر الأحقاب الماضية، والحالية إلى مناطق مختلفة من وطننا الكبير. فنشاهد اليوم جل مساكنها أطلالا وخرابا، ولم يبق منها ثابتا وقائما من الماضي السحيق إلا مسجدا عتيقا يسمى ب"المسجد الأبيض"، ومقبرة كبيرة دفن فيها الشهداء والمجاهدين في سبيل الوطن، وبعض الأجباب التي كانت تخزن مياه الغدير لما بعد موسم الشتاء. وتكفي الإشارة إلى جب السود وجب البخاري نسبة إلى الجيش البخاري المعروف في عهد المولي إسماعيل العلوي. فلقد عاصرت أسرة القيطونيين الكعداويين ببني سيدال الجبل بداية نشوء الدولة العلوية المجيدة، ومرحلة فتوتها وتأسيسها، حيث كانت أهداف المقاومة بقلعية تتناسب مع طموح سلاطين الدولة العلوية الشريفة، والذين احتضنوا حركة المقاومة بكل حفاوة، وأمدوها بالمساعدة الضرورية، بالإضافة إلى الاعتراف بها، واعتبارها حركة جهادية شرعية تحت قيادة أسرة القيطونيين الكعداويين من أهل أجدير من عائلة أولاد أعمر أعيسى، وهي أسرة إدريسية النسب، استقرت بين أجدير ببني سيدال الجبل، والناحية الغربية من الكعدة المعروفة بأيثغانم، واكتسبت هذه الأسرة الشريفة شهرة واسعة في قلعية في النصف الثاني من القرن الحادي عشر، بما أبدته من حماس في حركة الجهاد، خاصة في عهد محمد بن مسعود القيطوني. وفي هذه المرحلة بالضبط من تاريخ المغرب، كان جدي أحمد بن محمد بن القاسم بن القاضي كاتبا ممتازا للقائد محمد بن مسعود القيطوني، ومساعده الأيمن في تحرير، وتقييد كل ما يتعلق بالشؤون الإدارية، سيما مجريات الأحداث، والحركات الجهادية القائمة آنذاك بين حين وآخر ضد الإسبان المحتلين لمدينة مليلة المغربية المحتلة. فلقد ترك لنا جدي المذكور تقييدا موجزا في سبع ورقات سجل فيه أحداث هذه المرحلة مبرزا دور القيطونيين في هذه المرحلة الجهادية من المقاومة، وما يفتأ يأخذ مكانها في الخزانة الحسنية للدولة بالرباط تحت عدد 14052، والذي تصف لنا بدقة ووضوح جهاد القلعيين ضد الإسبان المعتدين في عهد المولي الرشيد (1666-1672) م والمولي إسماعيل العلوي (1727-1672) م ، وخاصة حيث الأبراج المتاخمة لمدينة مليلة. إضافة إلى أحداث الحروب الشرسة، والمناوشات مع المحتلين الإسبان، فضلا عن إحكام التنظيم الجهادي، بالإضافة إلى القرارات الاستراتيجيه لاقتحام غمار الحروب التي تخص مواقع القوات وانتشارها وإعداد مخططاتها. ويؤكد الأستاذ يوسف السعيدي، بأن أشد فترات المقاومة قساوة وحصارا على مدينة مليلة، هي فترة أواخر القرن السابع عشر إذ سقطت عدة أبراج كما هدمت أخرى. ويكشف لنا جدي ابن القاضي رحمه الله رحمة واسعة عن تفاصيل هذا الحصار الخانق عن مدينة مليلة المغربية المحتلة، وعن عمليات اقتحام هذه الأبراج من طرف المجاهدين القلعيين الشجعان. وقد تحدث أيضا في تقييده عن مرحلتين من المقاومة بمنطقة قلعية، المرحلة الأولى في بداية نشأة الدولة العلوية الشريفة في عهد المولى رشيد العلوي (1666-1672) م، ثم مرحلة المقاومة في عهد المولى إسماعيل الشريف. فالفترة الأولى من الحركة الجهادية تمت بإشراف القائد بلقاسم الشاوي الفرخاني، وتمثلت بالخصوص في هدم أحد الأبراج المهمة والتي تزامنت مع عملية مخصصة لإنقاذ جماعة من الأسرى من المجاهدين. أما المرحلة الثانية فوقعت في عهد المولى إسماعيل الشريف تحت قيادة محمد بن مسعود القيطوني، وفيها هدمت مجموعة من الأبراج المحيطة بمليلة، إلى جانب هجوم نظم على أسوارها، وما تم أثناء تجديد بناء قلعة تازوضا. وفي هذا الصدد، يجدر التنويه بإصرار ساكنة قلعية على المفاومة المستمرة والجهاد المتواصل، فهم حسب قول الاسبان لا يخجلون عند الهزيمة ولا يفقدون أملهم في تدارك النصر والتوصل إلى الانتقام. فخلال حروب الأبراج المتتالية، فكر القائد محمد بن مسعود في قلعة تازوضا، وعزم على إعادة تجديد بنائها، فأشرك في تجديد بنائها جميع أخماس قلعية بعد أن طاف أعيانها بمعالمها، وشرع العمل من طرف الجميع بالتناوب إلى أن عادت المدينة إلى سالف عهدها أو أحسن من ذلك حسب مؤرخ الريف الأستاذ الدكتور الحسن الفيكيكي، و أصبحت تازوضا مقر القيادة، ولاشك أن ايث عمرأوعيسى قد رحل بعضهم للسكن بتازوضا حيث ما يزال مدشر بالهضبة بالقرب من السور الشرقي يسمى باسمهم. وبذلك استمرت تازوضا مركزا للقيادة مدة حتى انتقلت القيادة إلى دوار ثميزار حيث اقيمت قلعة للمهمة الجديدة. ويشير التقييد أنه لم يكن التقصير آنذاك من جانب مجاهدينا الأبطال بالمنطقة في استرجاع مدينة مليلة المحتلة من طرف الإسبان منذ 17 سبتمبر 1497م، بل كان الإسبان كلما أضاق عليهم المجاهدون الخناق، أو كانوا على وشك الاستسلام، يلجئون عادة للمفاوضة مع القيادة العليا لحكومتنا بمكناس التي توقف الحروب، فتلبى بالتالي مطالب العدو المخادع ليسترجع أنفاسه المهلكة فيعيد الكر مرة أخرى. آنذاك اعتبر الإسبان أن سياسة التوازن مع حكومة المولي إسماعيل وفق هذا المسار ضرورية لبقائهم في المنطقة. وعلى إثر ذلك توالت الأمور والأزمات مع الإسبان من قبل ومن بعد، حتى أصبحت مليلة وسبتة، وغيرهما من الجزر المغربية، وصمة عار في جبيننا، ونقصانا من وحدتنا الترابية في عصر تحررت فيه البلدان، واستكملت فيه غالبية دول العالم استقلالها السياسي.

وفي هذا الصدد لقد أكد الدكتور مصطفى الغديري في مداخلته القيمة خلال الملتقى الثاني لتوقيع الكتاب تحت عنوان "مؤرخو الريف ورهانات التنمية : من أجلِ أُمَّةٍ تَعْرِفُ تَاَرِيِخَهَا، وتَصُونُ تُراثَها، و تُحْسِنُ صِياغَةَ مُسْتَقْبَلِهَا"، الذي نظمته الجمعية السسيوثقافية "المرصد الجهوي للتربية والثقافة" يوم السبت 24 ماي 2014 بالمركب الثقافي بالناظور، أنه قبل التحدث في موضوع ضربة المدفع التي مددت حدود مدينة مليلة المغربية المحتلة في القرن التاسع عشر من المدينة القديمة إلى ما هي عليه اليوم، لابد من الإشارة إلى أمرين هامين لا يمكن تجاهلهما في تاريخ المغرب الحديث : (1) معركة إسلي بين الجيوش الفرنسية وجيوش المخزن المغربي على حافة وادي إسلي بمدخل مدينة وجدة سنة 1844م، والتي انتهت بهزيمة نكراء لجيش المحزن المغربي وما تبع هذه الهزيمة من شروط قاسية بموجب معاهدة للاّ مغنية، وكانت هذه المعاهدة إيذانا وتمهيدا لاستعمار المغرب من طرف فرنسا. (2) : حرب تطاوين التي جرت بين الجيوش الإسبانية وجيوش المخزن المغربي على مدى السنتين 59-1860م والتي انتهت باحتلال الجيوش الإسبانية لمدينة تطاوين وما تبع هذا الاحتلال من فرض شروط أثقلت كاهل المخزن المغربي بموجب معاهدة تطاوين أو معاهدة وادي الراس بتاريخ 26 أبريل 1860م. كما أدت نتائجها أيضا إلى عواقب وخيمة لا تقل عما تمخضت عنها معاهدة للا مغنية. وما زالت منطقة الريف تؤدي ضريبتها إلى اليوم، وبصفة خاصة منطقة الريف الشرقي. ومن جملة هذه العواقب تمديد أراض في الشريط الحدودي لحصن مليلة ؟

ويقول الدكتور مصطفى الغديري أن قصة كل ذلك هو أن الإسبان كانوا يبحثون عن الذرائع باستمرار لفرض عقوبات مالية على المخزن المغربي المستضعف، الذي كانو يخيرونه أحيانا، بين دفع الغرامات المالية التي لا تستطيع خزينة المغرب تحملَها لضعف مواردها، وبين تمديد الشريط الحدودي لمليلة نتيجة بعض الأمور الفردية الواهية التي كانت تقع أحيانا بين سكان الشريط الحدودي وبين الجنود الإسبان، أو بين المعمرين من الإسبان وبين سكان قبيلة قلعية. وكان آخرها قصة أسرى إسبان سقطوا بأيدي مجاهدين من قبيلة قلعية عام 1859م. وهو ما اتخذته إسبانيا ذريعة للمطالبة بتمديد الشريط الحدودي احترازا لأمن معسكراتها في المدينة المحتلة. وهنا برزت بعض الاقتراحات بخلق شريط من الأراضي المحايدة على حدود مدينة مليلة القديمة مسافة ضربة المدفع. ومافتئ أن تحول هذا الاقتراح إلى مشروع استعماري لتوسيع الحدود بضربة المدفع بموجب اتفاقية 24 غشـت 1859 م في عهد المولى عبد الرحمن بن هشام العلوي، الذي توفي بأزمة قلبية في يوم الإثنين29 غشت 1859 م. ثم جاءت معاهدة وادي الراس بتاريخ 26 أبريل 1860 م في عهد السلطان محمد الرابع بن عبد الرحمن العلوي، الذي حكم المغرب ما بين سنتي 1859م1873و م، والذي شن حربا ضد إسبانيا سنة1862 م لاسترجاع مدينة سبتة، وانهزم فاضطر إلى قبول معاهدة واد راس التي من بنودها هو الاعتراف بإسبانية المدينتين سبتة ومليلية معا، والتخلي عن سيدي إفني ودفع غرامة مالية باهضة، فهذه المعاهدة جاءت لتحيي هذا الاتفاق وتنص على تطبيقه ورعايته بشكل مفضوح في بنودها : 5،6،7. بتزكية من الدول الأوربية الاستعمارية. فالبند السادس من معاهدة 1860م يشترط بأن تكون : " في حدود المناطق المحايدة المخولة أو الممنوحة من قبل سلطان المملكة الشريفة للحصون الإسبانية لسبتة ومليلة، ويوظف عليها سلطان المغرب قائدا أو عاملا بحامية من الجنود لقمع وردع هجومات القبائل الريفية". والبند السابع ينص على " أنه يجب على سلطان المغرب أن يأمر رعاياه باحترام وتوقير المناطق التي تنص عليها شروط معاهدة الصلح، تلك المناطق التي ستكون تابعة لسيادة صاحبة الجلالة ملكة إسبانبا". فهل هذه المعاهدة تنص كذلك على وقف محاولات عبور المهاجرين غير الشرعيين نحو مدينتي مليلية وسبتة المحتلتين والحد من تدفق اللاجئين الأفارقة والسوريين وغيرهم القادمين تجاه الحدود الأوروبية في أفريقيا؟
فلقد ذكر قاضي بني سعيد الفقيه أحمد بن أحمد بن زرّ الزيزاوي في تقريره الذي رفعه للسلطان الحسن الأول. في 11 رجب عام 1308 والمتواجد بالخزانة الحسنية تحت رقم 301/177، فيقول رحمه الله " إنهم، سيدي، لنا ذكر مقابلة رسم الحدود مع الشروط المنعقدة بين الدولتين وقتئذ، فطلبنا من المكلفين فما وجدناها، فضيعوها أهل تلك النواحي من جملة ما ضيعوه عن كاتب بيده فوجدنا شريف كتاب والدك - قدس الله روحه في دار الجنان - بطابعه فذكر فيه كيفية الشروع في ضرب المدفع يكون متوسطا ويعمرونه بخمسة أرطال بارود، وأن يكون مستقيما ولا يصعدوه على مكان حال الضرب، فخالفوا ذلك أهل تلك الوقت فأقروا به الآن لدينا وقبضوا عليه رشوة نحو عشرة ألف ريال فأكثر. فلما أرادوا ذلك عمّروا المدفع المذكور بخمسة وعشرين رطلة من البارود وأصعدوه على مكان عال، فلما أراد أن يَكويه رفع رأس المدفع إلى سماء فأخذ للمسلمين نحو الفرسخين فأكثر بالتحقيق على وجه السرقة فزاد فيها الآن نحو الميل زيادة على ما ذكر، حسب ما سطر وفسر فزاد زيادة كثيرة في جبهة وورْكْ وجهة القبلة فامتنع عن الخروج من مليلة رسم الحدادة أراد أن ينصب الحدود في الأرض وخرج أعْمادْ كثيرة معلمة لذلك، فما قبلنا منه ذلك، فالمعين لهم والمغري منهم على ذلك الخديم السعيدي وهو حَمّان السعيدي، فقد تكلم معنا هنا على ذلك مشافهة فنكرنا منه ذلك فهو سبب فضيحة للمسلمين إن دام هنا، وحينئذ إن أراد أن يحقق مع الصبنيول فليرجع العمل والكيل عل حسب الكتاب المذكور، إن ظن سيدي الإفادة والتحصيل لذلك في قوانين الدولتين فها الكتاب المذكور تحت يد السيد حمو بن السيد العربي أقرقاش المزوجي، فإن أردت تحصيله فاكتب للمذكورين بحيازته منهم ليكون عليه العهدة والعمل. أما نحن فقد طالبناه منهم قاموا في حضوري وأحضروه فتفاوضوا مع الخديم حمان السعيدي فأظهروه وغيبوه فأجابنا الخديم المذكور ونَعِمَ ن تلك الكتاب فات وقت إبانه، ولا يشك أنه معين للنصارى ويميل إليهم حقا تحقيقا، فأخذ على ذلك وغيره رشوة كثيرة فوجدوه في تلك المحل وقيامه فيه لا يصلح للمسلمين وإنما هو مضرة محققة لهم "

وأشار الدكتور مصطفى الغديري أنه في يوم 27 أكتوبر 1893م خرج الجنرال مارغايوJuan José Margallo الحاكم العسكري لمليلة ليتفقد حفر الخنادق في حصن المعازيز العليا Cabrerizas Altas بمعية نائبه الجنرال Ortega وكانت الحصون المحيطة للمدينة المحتلة محاصرة من قبل المجاهدين، ولم يتمكن الإسبان من فك هذا الحصار. كأنما توجه الجنرال إلى هذا الحصن ليشجع الجنود الإسبان على المضي في فك الحصار عليهم، أو أراد أن يقدم المثال للجندي الإسباني في الاستماتة على القتال، فخرج ضمن مجموعة من الجنود لمواجهة الريفيين ولتحدي حصارهم، فكانت النتيجة أن دفع ضريبة تحدّيه وتعديه بإردائه قتيلا بأرض المعركة. وكانت الحادثة مولد معركة حامية الوسيط اسمها معركة سيدي ورياش أو معركة مارغايو Margallo عند الإسبان ( كما تسمى أيضا معركة مليلة) على مدى يومين كاملين 27،28 أكتوبر 1893م.كما أحدثت أنباء مصرع الحاكم العام لمليلة هلعا كبيرا في الوسط الحكومي والعسكري والشعبي بإسبانيا. ولم تمر إلا أيام قلائل حتى تم توقيع اتفاقية بين الطرفين بتاريخ 5 مارس 1894م في عهد المولى الحسن الأول (1873-1894) م الذي توفي فجأة بعد ثلاثة أشهر من هذه الإتفاقية. ويبدو من خلال المصادر الإسبانية أن الأمير مولاي عرفة لم يجد بدا من الرضوخ للرغبات الإسبانية بعد لقاءات مارطونية مع الجنرال Martines Campos لبناء الأسوار طبقا لمخطط ضربة المدفع وإضافة ماري واري إلى المنطقة التي تدخل في نفوذ مدينة مليلية المحتلة، وتسليم من أسموهم بالمعتدين أو الجناة، المشهورين أو أعيان القبائل تم إحضار كافة أعيان منطقة قلعية إلى مدينة مليلية المحتلة (عدت إسبانيا خمسين منهم ) لتقديم الولاء للراية الإسبانية، والاعتراف بتمديد الحدود إلى حيث سقطت قذيفة المدفع، مستنكرين كل اعتداء في المستقبل، ومعبرين عن استعدادهم للعيش بسلام مع ساكنة مدينة مليلة المحتلة. وفي الوقت ذاته التمسوا من الجنرال Martines Campos مفاوض السلطان والممثل للسلطات الإسبانية السماح لسكان قلعية بدخول مدينة مليلة بغرض المتاجرة والتبضع. وبذلك طويت صفحة أحداث مليلة أو معركة سيدي ورياش التي تعتبر آخر اصطدام بين المغرب وإسبانبا في القرن التاسع عشر، مع إقرار بالحدود الجديدة آنذاك. لكن آثارها ستطفو على السطح فيما بعد نتيجة تزايد أطماع إسبانيا في منطقة الريف. بعد الاتفاقيات والمعاهدات التي كانت تجري سرا بين الدول الأوروبية من أمثال معاهدة 1902م بين إسبانيا وفرنسا ثم معاهدة لندن بتاريخ 18 أبريل 1904م بين فرنسا وإنجلترا، ثم معاهدة باريس بين فرنسا وإسبانيا بتاريخ 3 أكتوبر 1904م لتتوج هذه المعاهدات جميعا بمعاهدة الحماية المشؤومة.احتلال مدينتي مليلية وسبتة ومعضلة الهجرة الإفريقية.




آراء

كيف اطفأت حنا نونوت مجمارها في لحظات وفشلت الدولة في اطفاء حريق سوبير مارشي الناظور في اسبوع ؟

احترق "السوبير مارشي" وما ذا بعد وما الذي حدث ؟ لكِ السلام يا مدينتي ... ولك العزاء !!!

الصحة في المغرب: لا تمرض أيها المواطن حـتى تراكم ثروة أو تصاهر صاحب مصحة خاصة

لكم الله اخواننا تجار سوبير مارشي الناظور، انتم ودعتم اموالكم بالتأسي والباقية منهم من اتى للتشفي ومنهم من اغتنم هذه الفرصة للركوب على الاحداث

لن نتنازل عـن مكتسباتنا وأولها حرف تيفيناغ

متـى كان سدنة التيار العدمي بمدينة مالين البلجيكية مصلحـون؟

هجرة الموت

احتلال مدينتي مليلية وسبتة ومعضلة الهجرة الإفريقية

وَرْغَة.. المعركة التي هَزَم فيها الخطابي الجيش الفرنسي وعَجّلَت برحيل لْيُوطِي

ماهية السياسية المخزنية بين المحراث الخشبي والجرار، ومحل آخر المرتزقة من الإعراب؟